فؤاد ابراهيم

90

الشيعة في السعودية

الشيعة وثنائية الدين والدولة يمكن الاستهلال بالقول : إن فجر التحولات الفكرية ينبلج لحظة خضوع حقل اليقينيات للمساءلة العقلانية والواعية ، أي حين تكون النواة الصلبة جاهزة للفحص بعد أن كانت تحيط نفسها بحزام أمن يمنع الاعتراض على جزء أو أجزاء منها . وشأن المذاهب المغلقة كافة ، فإن التشيع أضفى ، في ما مضى ، قداسة على الحجج الآمنة أو الدفاعية الملحقة ، بحيث كان يخشى معتنقوه إخضاع مضامين المذهب المنقولة من المصهر العقلي الاجتهادي للاختبار ، بما يؤول إلى انفراط العقد وتفكك المنظومة على نحو متسلسل . إن تحوّل التشيّع من كونه مذهبا ساكنا في أحيان ، واعتراضيا في أحيان أخرى ، إلى مذهب دولة بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 قد حرّك الحواضر العلمية الشيعية كي تنطلق انطلاقة نشطة غير مسبوقة بحثا عن إجابات لأسئلة غير قابلة للتأجيل ، تضخها الماكينة الدولتية . وما لا شك فيه أن الخطاب السياسي الشيعي بصيغة المحدّثة والتوافقية يفتح إمكانات موحية جدا لنمو خطاب يمكن تفسيره بوصفه رشدا سياسيا ومعرفيا ، إذ لن يكون اتجاه حركته نحو الماضي ورسائله ، بل سيكون محكوما بالمعطيات المعاصرة . وإذا كان شيعة الماضي يفدون إلى مضمار عصرهم في إطار متأرجح على أساس أن ثمة ميراثا ميتافيزيقيا يتحيّن فرصة الانصراف بهم عن واقع يوجهه نداء خط إنساني مشهود لعالم يرتد بهم نحو الموروث بكل احتجاباته المفزعة وارتكاساته المباركة من النقل والإجماع